• أهلا وسهلا بكم في موقع بلدية عيناثا
  • لمراسلاتكم للموقع و استفساراتكم و اقتراحاتكم:info@ainatha.org
حجة الإسلام المقدّس السيد علي السيد محمد حسن فضل الله (قده) 21/8/2012

Share

السيد علي فضل الله طيب الله ثراه
1332هـ  ـ  1427هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
(يا ايتها النفس المطمئنه(27)ارجعي الى ربك راضية مرضيه(28)فادخلي في عبادي(29)وادخلي جنتي) الفجر (27-29).
جبل عامل،الجبل الاشم،فوق تربته الطيبة قامت نهضة علمية وثقافية،سايرت الزمان قرناً فقرناً،رغم الضغت والأضطهاد الذي وقع على أهله منذ العصر الأموي... حتى العصر العباسي..الى العصر العثماني وسلطنة الأتراك.
ورغم ما أحاط بأهل جبل عامل،وهم قله بين مخالفيهم مذهبا و سياسة، من ظلم و جور خاصة زمن الوالي التركي أحمد باشا الجزار - البشتاقي-الذي حكم تسعةوعشرين سنة (1775-1804م).
وكانت عاصمة حكمه الجائر مدينة عكا.وررغم هذا كله بقي ابناء جبل عامل على ما هم عليه من النشاط الديني والعلمي، وذلك بجهود ابنائه من علماء الدين. إذ انشئت في جبل عامل، من عهد قديم، مدارس و معاهد تُدرّس فيها جميع العلوم، خاصة العلم الديني والفقه الجعفري. وصار يؤمها الطلبة من مختلف البلدان المجاورة .
ومن أبرز مدارس جبل عامل، مدرسة الشهيد الأول (شمس الدين بن مكي محمد الجزيني)، ومدرسة ميسومشغرة وجباع وعيناثا ووو...
و في ذلك يقول الشاعر:
وعصرٍ فيه من جبع و ميس
                         وعيناثا مصابيح تشب
وقد رصعت عيناثا جبين التاريخ بالدرر، بما اخرجته من علماء اعاظم، و فقهاء أفاضل، منهم من كان لهم الفخر بنسبهم الرفيع الذي ينتهي الى الإمام الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب، كآل  فضل الله الكرم.
ومن أغصان دوحة الشرف كان السيد علي فضل الله، ابن السيد محمد حسن بن علي بن هادي بن فخر الدين بن يوسف بن السيد بدر الدين بن علي بن محمد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن الحسن بن عيسى بن فاضل بن يحيى بن جوبان بن الحسن بن ذياب بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن داوود بن إدريس بن داوود بن احمد بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي بن أبي طالب.
ولادته:
ولد السيد علي فضل الله الحسني عند انتهاء الحرب العالمية الأوله سنة 1332هـ-1918ميلادية في بلدة مجدل سلم جنوب لبنان. وفي ولادته قال الشاعر الكبير الشيخ محمد حسين شمس الدين قصيدة طويله منها:
لقد لقبوه علياً علا               وأرخته بأغر لقب
وبعد عام من ولادته، شدَّ والده الرحال الى العراق لإكمال علومه الدينية، في النجف الأشرف، حيث كانت مركزاً للعلم الديني من أصول، وفقه، ونحو وصرف، ومعانٍ و بيان. وغيرها من العلوم الدينية الكلامية والفلسفية والإجتماعية.
وهناك، في مدارس النجف الأشرف، و أروقة الصحن الشريف، عند مقام الغمام علي (ع) كانت تعقد حلقات الدرس والتدريس و المذاكرة، تغمرهمروحانية المكان المنبعثه من جلال المقام، مقام باب مدينة العلم، ويلفهم أمير البلغاء... فكانو يعبون من منهل العلم في ذلك المقام المقدس.
نشأته:
درج السيد علي فضل الله الحسني في طفولته و نشأ و ترعرع في النجف الأشرف، وتلقى مبادئ علومه على يد والده السيد محمد حسن و بعض الأفاضل ولما بلغ الأربعة عشر عاماً، صحب والده الذي رجع إلى جبل عامل، مع عائلته واستقر بهم المقام في بلدة عيناثا سنة 1932ميلادية. وبعد مرور اربع سنوات اقام السيد علي في بلدة مجدل سلم حيث كان يملك بعض الأراضي و بيتاً للسكن.
كان منزل السيد علي فضل الله في بلدة مجدل سلم مؤئلاً لثلة تحلت بالأدب والشعر والفكاهة. وعلى رأس هذه الثلة الشاعر الفضيل الشيخ علي مهدي شمس الدين. فكانو يعقدون السهرات العامرة يتداولون القريض، ويتبارون بنظم الشعر على اختلاف معانيه و بحوره... فكأنها ندوات... وأصبحت تلك الندوات عبارة عن مدرسة أدبية يقصدها الرواد أصحاب الأدب والشعر والفكاهة.
هكذاأمضى السيد علي أيام شبابه متنقلاً في رياض العلم والأدب، فمن مقره في مجدل سلم إلى عيناثا- موطن الأهل والأحباب- إلى بلدة جويا حيث أخواله السادة من آل نور الدين، خاصةً خاله العلّامة السيد نور الدين و أخوه الأديب الشاعر عبد الحسين نور الدين.
هجرته:
في مطلع سنة 1948، حيث دارت معارك ضارية بين العرب واليهود في فلسطين، وامتد الزحف الإسرائيلي اليهودي إلى القرى اللبنانية- قرى جبل عامل المتاخمة لفلسطين- ولاقى أهل تلك القرى من القتل والتشريد وويلات الحرب الشيء الكثير؛ لأن ملوك العرب ورؤساءهم كانو ولم يزالو.. متفرقين أشتاتاً... قد مزقتهم يد الإستعمار والأنانية المستولية عليهم. همهم الوحيد المحافظة على الكرسي والسلطان.
في ذلك الوقت كان السيد علي فضل الله لا يزال مقيماً في بلدة مجدل سلم. فهاجر إلى العراق، إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته في الفقه الإسلامي الجعفري، لأنه كان في ريعان شبابه عازماً على أن يصبح عالماً دينياً، و رائداً من رواد الإصلاح والهداية، وداعياً إلى الدين الإسلامي الحنيف.
في النجف الأشرف حطّ رحاله، و اسستقرّ به المقام. وانسجم في بيئة النجف مع أترابه طلبة العلم الديني- وخصوصاً العامليين- الذين رحبوا به، وأخذوا يدعونه إلى ولائم في بيوتهم على سبيل التكريم، وإظهار الحب والتعاطف.
ومن أبرز الولائم وأجلها، وليمة آية الله المرجع الديني الكبير في ذلك الوقت – السيد محسن الحكيم – الذي كانت تربطه بالسيد علي وشائج قربى و رحم. وكان المرجع المقدس السيد محسن يعامله معاملة حسنة كأنه من أفراد عائلته.
سارت الأمور مع السيد علي في مسراها الطبيعي، فكان يقضي جلّ أوقاته في الدرس والتدريس، والبحث والتدقيق، والمذاكرة مع اصدقاء طيبين من الطلبة العامليين وبعض النجفيين. وفي نهاية الأسبوع يذهبون جماعات للترويح عن النفس إلى الكوفة للقضاء ساعات على شاطئ الفرات. أو يذهبون إلى مسجد الكوفة للصلاة فيه والتبرك بزيارة مقام مسلم بن عقيل الذي بجانبه، أو إلى مسجد السهله المعروف قرب النجف الأشرف.
وفي عطلة الأسبوع أيضاً- ليلتي الخميس و الجمعة- كانو يذهبون لحضور مجلس تعزية (عزاء سيد الشهداء والإمام الحسين بن علي) عند بعض اللبنانيين العامليين الأكبر سناً و الأقدم هجرة، أمثال المرحوم العلامة السيد حسين مكي، والمرحوم العلامة السيد عبد الرؤوف فضل الله، والعلامة الشيخ محمد تقي الفقيه.
كانت هذه المجالس، عبارة عن ندوات مذاكرة، يلقي بعض الطلبة سؤالاً، ويدور النقاش... فكانت تلك المجالس الحسينية مفيدة جداً حيث كانت للجميع من طلبة وعلماء... يرتشفون الفائدة مع كؤوس الشاي، ولفائف التبغ- السيكارة- فتحلق أرواحهم في أجواء السعادة، وتختفي الطبقية، والأنانية، فتعمهم الغبطة وينسون ألم الغربة وفراق الأهل و الوطن.
دراسته:
كانت دراسة السيد علي فضل الله الحسني في النجف الأشرف على المستوى اللائق لطلاب العلم المجدين. فكان من اساتذته الأوائل بعد وصوله إلى النجف، المرحوم العلامة السيد إسماعيل الصدر.. الذي درس عنده المعاني والبيان والمنطق وغيرها من المواد التي يتحتم على الطالب الديني في مدرسة النجف ان يدرسها.

وأما في الفقه، فقد درس اللمعة الديمشقية(1)عند المرحوم العلامة الشيخ محمد طها الكرمي - الحويزي وهو من كبار مدرّسي بحث الخارج آنذاك ولا يدرّس اللمعة ولكنه درّسها للسيد علي إكراماً له- والعلامة الشيخ محمد تقي الجواهري.
كما حضر درس الكفاية في الأصول عند العلامة الشيخ محمد تقي الأيرواني.
ومن أساتذته أيضاً العلماء الأجلاء: السيد محمد تقي بحر العلوم الذي درس عنده كتاب الرسائل في الأصول للشيخ الأنصاري.
كما درس كتاب المكاسب عند المرحوم العلامة الشيخ عباس الرميتي.
وحضر ردحاً من الزمن، درس الفقه على العلامة الكبير السيد علي الغاني مع لفيف من الطلبة العامليين المعروفين بالاستقامة والتحصيل.
وتابع دراسته أيضاً مدة من الزمن في الفقه وغيره عند المرحوم العلامة الكبير الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي. وكان هذا الدرس تمهيداً لدرس الخارج – نصف خارج – محاضرات موسعة  - في الفقه والأصول على كبار المراجع الدينيين في ذلك الوقت أمثال: السيد محسن الحكيم، السيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد ابي القاسم الخوئي قدس الله سرهم.
في سنة 1950 ميلادية تزوج السيد علي فضل الله من الآنسة مريم ابنة خاله الأديب الشاعر السيدعبد الحسين نور الدين من بلدة جويا في جبل عامل. وبهذه المناسبة السعيدة أقيم حفل كبير ضمّ عدداً كبيراً من العلماء الأجلاء.. وخيرة الفضلاء والنخبة من الشعراء والأدباء. وقد ألقيت فيها الكلمات والخطب والقصائد الشعرية التي تحتوي على تقديم التهاني لوالد العريس العلامة الكبير السيد محمد حسن فضل الله.

عودته من العراق إلى وطنه لبنان:
في سنة 1962ميلادية، وبعد مضي حوالي 15سنة من الهجرة في طلب العلم في جامعة النجف الأشرف رجع السيد علي فضل الله الحسني إلى وطنه لبنان يحمل شهاداته- إجازته العلمية- الحائز عليها من كبار المراجع الآنفي الذكر، التي تدل على تحصيله العلمي وجده واجتهاده وتقواه.
وكان السيد علي أيضاً محل ثقة الجميع من أساتذته ومعارفه و قد شهدو له بالتحصيل العلمي والتقوى والصلاح. كما أعطاه الإمام روح الله الخميني وكالة مطلقة تدل على مكانته العلمية وتحصيله.
ولما وصل إلى وطنه الحبيب، لم يجعل إقامتة في بلدته عيناثا- لبنان الجنوبي- جبل عامل- بل استقر به المقام في الضاحية الجنوبية من مدينة بيروت- برج البراجنة.
نشاطه الديني والإجتماعي:
في بيروت، وفي برج البراجنه حيث إستقر المقام بالسيد علي فضل الله الحسني، أخذ يمارس واجبته الدينية والإجتماعية، وكل ما يترتب على العالم الديني القيام به.فكان يؤم الناس لصلاة الجمعة و الجماعة في مسجد برج البراجنة؛ و بعد إنتهاء الصلاة كانت تعقد حلقة الدرس لطالبي التفقه بالدين.
كذلك أسس في منزله حلقة تدريس واسعة يدرس فيها الفقه، والنحو والعلوم الإجتماعية حتى تحول منزله و المسجد ايضاً إلى مدرسة دينية يلقي على طلابه دروس الفقه و النحو و المنطق.
كان من نشاطه الإجتماعي، تأسيسه لجمعية الإمام الحسين بن علي في برج البراجنة.
ومن نشاطه الإجتماعي ايضاً، انه اسس جمعية التعليم الديني الإسلامي المجاني، في جميع انحاء لبنان. فكان هو المؤسس، والرئيس مع بعض الإخوان من العلماء الأفاضل.
كذلك ساهم في تأسيس جمعية الهداية والإرشاد العلمية.
كذلك كان الساعد الأيمن لوالده العلامة السيد محمد حسن فضل الله، والمرحوم العلامة الشيخ موسى عز الدين وغيرهما، عندما قاموا بتأسيس جمعية علماء الدين في مدينة صور.
وأما المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، فقد كان السيد علي فضل الله أحد مؤسسيه والقائمين على تركيزه، ودعائمه ومن أعضائه الإثني عشرالذين لهم اليد الطولة ولهم الفضل بالجهود التي بذلت في إنشاء هذا المجلس.
وبعد مدة وجيزة من إقامته في لبنان- بيروت-، دُعي لتولي منصب القضاء الجعفري. فرأى أنّ الواجب عليه أن يلبّي الدعوة، لعل من خلال سلطته الشرعية يتمكن من ان يقيم حقاً او يدحض باطلاً، لأن الكثيرين من الناس ينظرون الى السلطة نظرة الرهبة والإحترام !...
ومشت به الأيام، فكان قاضياً شرعياً نزيهاً، يعمل بتقوى الله وما يمليه عليه دينه وضميره. فكان في محكمة صور، ثم انتقل إلى محكمة النبطية ومنها إلى بيروت. وكل من عرفه يشهد له بأن حكمه العدل، والإنصاف، لا تأخذه في الله لومة لائم. ومن صراحته و عدم تحيزه إلاَّ للحق، ما رواه احد الثقاة الحج علي بيرم، و هو مساعد قضائي في محكمة بيروت الشرعية الجعفرية التي كان يرأسها السيد علي فضل الله: أنه دخل أحد الزعماء من النواب البارزين ليتوسط لأحد المتداعين، فما كان من السيد إلاَّ ان التفت اليه قائلاً: ما قولك غداً يوم الحساب الأكبر، إذا سئلت عن هذه الدعوى، هل حكمت بالعدل؟فهل يكون الجواب مني: لقد توسط لدي صاحب الوجاهة فلان فلم يسعني رده!؟.فبهت الزعيم ولم يحر جواباً. وهكذا كانت سيرته في المحكمة... النزاهة... و الاستقامة... والعدل...
و أخيراً، أستقر به الامر، لأن يكون في محكمة بيروت الشرعية الجعفرية العليا المستشار الاول.
نشاطه العلمي و الأدبي:
ومع ممارسته للقضاء، لم ينسى ما جبل عليه من حب المطالعة ، والإستفادة وإفادة الناس، رغم مشاغله في القضاياالاجتماعية، وقضايا المحاكم، والنظر في الدعاوى، وإصلاح ذات البين، أخذ بالتأليف والنشر؛ ولم يلهه القضاء أو الوظيفة عن الكتابة بما يفيد الناس، حيث يكون له هذا العمل ذكراً وذخيرة، تطبيقاً لما روي: إذا مات إبن آدم إنقطع أمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له.
ولهذا التاريخ، صدر للسيد علي فضل الله من الكتب المطبوعة: في ظلال الوحي الطبعة الثالثة، الأخلاق الإسلامية الطبعة الرابعة، سيرة الرسول وخلفائه- صدر منه للآن سبعة أجزاء، كشكول الحسني مخطوط.
ولم يقتصر على النشر والتأليف، بل كان صاحب روح شعريه فقد نظم الشعر وهو في مطلع شبابه،وله قصائد في شتّى الميادين.
ذكره الشيخ علي الخاقاني في موسوعته- شعراء الغري- إذ كان السيد علي فضل الله في المرحلة الأولى من دراسته في النجف الأشرف. قال عنه- بعد ترجمة طويله منها-: (والمترجم له – السيد علي فضل الله- التقيت معه مراراً،فإذا به الشيخ المبكر في تقواه، والزاهد المعرض عن الحياة في سلوكه وهدوئه. ورأيت شبابه النضر و هو يذوي أمام التشقف والتريض الديني، فهو من الشباب الأتقياء، و العلماء الفضلاء، و الأدباء النبلاء).
نموذج من شعره:
ذكريات الماضي المجيد بنفسي
سلبت من حياتي اليوم أنسي
كلما حاول الفؤاد سلوا
عن أناس مضوا، يعود بيأس
أسهر الطرف ذكرهم وعلاهم
                         وزمان مضى كأيام عرسي
يا زمان الفخار والعز كادت
                        حسرات عليك تذهب نفسي
إن يكن ينسني التطاول
                        بالأيام مجداً فمجدهم غير منسي
أسلبت عيني الدموع عليهم
                        وحياتي تزداد بؤساً لبؤس
خطرات تمر بالفكر آنا
                       فتثير الأسى الكمين بنفسي
قد أحاطت بي الهموم وإني
                     أصبح اليوم في الذكاري وأمسي
أين تلك الأيام من عهد مجد!؟
                     هي مرمى فكري وموضع هجسي
أين قوم قد طبقوا الشرق والغرب
                      بعزم على سفينٍ وعنس
أين ماضيهم المحبب للنفس
                      المجلى بصولجان و كرسي
أين تلك القصور عزاً تعالت
                      بنيت في الورى على خير أس
أين تلك الجيوش بالأمس لما
                      زحفت للوغى لروم و فرس
حطمت جيشهم بعزم و حزم
                      وأبادتهم بسيف و ترس
*   *   *
أيهذا الشادي بمجد مضاع
                     انت مثلي حزناً ودرسك درسي
لم يزدني أختبار قومي خبراً
                    لا ولا فيهم تغير حدسي
سعدت هذه البلاد قديماً
                    وحديثا السعد بيع بنحس
أيها العرب لا تناموا و هبوا
                    هذه نومت الذليل الأخس
عرب أنتم لدى الروع والحرب
                    أسود فلا تهينوا لجبس
كتبوا مجدهم على صفحة الدهر
                    بعزم لا في يراع وترس
فهموا ألبسوا المشارق فخرا
                    من علاهم لا من ثياب الدمقس
أرهفتهم للحق طيبة (1)حتى
                    قد قضوا في الوغى على كل رجس
بلد للنبي دارة قدس
                    هي مهوى النفوس من كل جنس
قد أضاءت وجه البسيطة نوراً
                    وأطلت على الأنام كشمس
غرست بالنهى وبالفضل والجود
                      وتقوى الإله افضل غرس
*   *   *
مُلىء الكون يا محمد رشدا
                       منك حقاً على المدى غير منسي
فعليك الإلاه صلى وفيك إذ دا
نت الأرض لا بنبت وورس
وعلى آلك الميامين ربي
                     رحمة قد أفاض في كل رمس
*   *   *
_____________________________
(1)طيبة: مدينة الرسول(ص)المنوّرة

وحينما دخلت القوات اليهودية – الإسرائيلية حوالي سنة 1949م إلى بعض القرى الحدودية من جبل عامل في لبنان الجنوبي؛ وكانت هذه القوات قد إحتلت بلاد فلسطين و جميع الاراضي المقدّسة فيها بمساعدة الدول الأجنبية – خصوصاً أمريكا و بريطانيا- التي كانت هي المؤسسة الأولى لدولة إسرائيل من خلال وعد بلفور الظالم المشؤوم. وكتب التاريخ شاهدة على ما اصاب أهل فلسطين و جبل عامل من ويلات، وقتل، وتعذيب، وتشريد، وتهجير.
في تلك الفترة العصيبة، كان السيد علي متألماً متأثراً ينظر إلى ما أصاب بلاده وأهلها، وقف ونفسه تذوب حسرة ولوعة قائلاً:
عليّ عزيز يا بلادي أن أرى
                           عدوك يمشي ظافراً برباك
ألم تذكري الماضي المجيد ومن بنوا
                             وشادوا بحد المرهفات بناك
وقد كنتِ قبل اليوم حصناً ومعقلاً
                             بعزمهم واليوم ديس حماك
مصائب شتى والبلايا عديدة
                             توالت عليك والزمان رماك
ألا أيها الأطلال نوحي على الألى
                             مغاوير أسد حجِّبوا بثراك
وللسيد علي الباع الطويل في نظم الشعر في شتى الميادين، فمن شعره في الرثاء الأبيات التي ضمنها رسالة التعزية، والتي أرسلها إلى جبل عامل. ففي سنة1952ميلادي حيث توفي الأديب الكبير الفاضل الشيخ علي مهدي شمس الدين، خال السيد محمد حسن والد السيد علي فضل الله. وكان السيد علي فضل الله في هذا الوقت مهاجراً لطلب العلم في النجف الأشرف؛ فما كان منه إلاَّ أن بادر إلى إرسال كتاب تعزية لخؤولته الكرام آل شمس الدين في مجدل سلم، كان له الأثر البالغ في النفوس:
كل المنابر والأقلام والكتب
                   نوحي على شيخ أهل الفضل والأدب
وأستشعري بعده ذل اليتيم فقد
                  فقدت منه أباً مر الحفاظ أبي
واستقبلي الدهر ليلا بعد طلعته
                   فإنه كان شمس الدين والعرب
ولا تصيخي لخطاب سواه فلا
                   تعين بعد علي ما سوى الصخب
أودي علي فلا تبغي له بدلاً
                   فإنه واحد في عصره الذهب
ومن شعره أبيات مرتجلة في رثاء الحسين(ع)،قوله:
كنت متأثراً لما حل في لبنان و في الجنوب العزيز- جبل عامل- من نكبات ومصائب، وخراب وتدمير على يد أعداء الإسلام اليهود ومن والاهم؛ تلفت حولي فلم أجد من أشكو إليه آلامي وأناشده إلاَّ أبا الشهداء الحسين بن علي، الذي ضحى بكل غال ورخيص في سبيل الحق و إعلان كلمة العدل والإمان والثورة على الظلم والطغيان:
ذكراك يا بطل الجهاد وقورة الإمان
تبكي لها عين المحـب بمدمع هتان
ذكراك أرخصـ ت الحياة لعزة الإنسان
ذكراك أعلام الجهاد علت بكل مكان
ذكراك ملحمة الفخا     ر غدت بكل زمان
ذكراك أرخصت العروش وزهوة التيجان
*   *   *
ابكيك يا سبط الرسو        ل بعبرة وحنان
فلقد بذلت بكربلا            ء خلاصة الفتيان
وبذلت مهجتك العزيزة في رضى الرحمان
ووقفت وقفتك الشهير        ة ما لها من ثان
أبداً تقول لصحبك الأخيا ر والشجعان
صبراً فبعد اليوم لن تجدونأي هوانِ
ولسان حالهم غدى            إن الحياة ثوان
فلقى الأعادي ساعة            ثم السرى بحنان
*   *   *
مهما ذكرت سليل خير الرسل     في تبيان
فحمد المختار جدك منقذ            الإنسان
وأبوك حيدرة الوصي              مكسر الأوثان
وشقيقك الحسن الزكي             فأنتما السبتطان
هذا وأمكما البتولة                 ما لها من ثان
أبداً وأنت على المدى             سيف على الطغيان
شكوى أبا الشهداء                أرفعها يرددها لساني
لم يتبق من أهل النهى            أبداً غدا من بان
وإذا تراءى مصلح               يُلقى بلا أعوان
كيف السبيل ولم يسد             غير الأثيم الجاني
هذي بلاد العرب أضحت        مسرح العدواني
وغدت ممزقة فأمست            طعمة الذئبان
لعبت يد الغدر الخبيثة            في ربى الأوطان
وتحولت جناته                   نهباً لكل جبان
وترى البلاد جميعها          ثكلى من الأحزان
عفت الرسوم و لم يُرَ        ما كان من عمران
والمؤمنون غدوا أسارى     في يد النشوان
*   *   *
لهفي لراية أحمد              طويت بكل هوان
واشتد جيش الشرك          والإلحاد في الميدان
والدين أصبح شاكياً          متداعي الأركان
لم يبقى بين بنيه              غير البغض والشنآن
ساد الفساد وساد أهل        الجور في البلدان
شعره في الحنين:
بما أن السيد علي فضل الله قضى أكثر أيام حياته بعيداً عن الأهل و الوطن، لذلك نرى الحنين في كثير من شعره، منه قوله:
أحن إليكم و الدموع شهود
                وفي القلب من فرط الحنين وقود
أحباي هل من بعد نأي وغربة
                         أرى الدهر يوماً باللقاء يجود
كما يتضح لنا حنينه أيضاً في قصيدة بعث بها إلى عمه الأديب الشاعر السيد عبد الحسن فضل الله منها:
إذا ما تذكرت الديار وأهلها
                         تفيض دموع العين رغم التجلد
وما أنا بالسالي على البعد والنوى
                         ولكنني ثوب التجلد أرتدي
أحباي ما بالحب إلاَّ مذلة
                       فهل انت بالسلوان يا قلب مسعدي
ونراه يخاطب أحد أصدقائه بقوله:
إن قلبي يهوى لقاكم وعيني
                      حين غبتم قد غاب عنا كراها
ما سلا الماضي السعيد و عصرا
                     قد تُقضي بقربكم لا يضاها
*   *   *
ويستشف الحنين والشوق من شعره الذي يخاطب به بلدته عيناثا موطن الأهل ومثوى الأجداد، وذلك حين حملته الظروف على الرحيل عنها والإقامة في بلدة مجدل سلم- بلدة جد والده الشيخ مهدي شمس الدين لأمه- وذلك في أيام شبابه في حوالي سنة 1937ميلادية:
إني هجرتك عيناثا ولا عجب
                        أن يهجر المرء من يهواه أحياناً
خلفت فيكي فؤادي وارتحلت بلا
                        لب فعدت سليب الرشد حيرانا
ما إن نظرت إلى شيء أسرُّ به
                         بعد البعاد فليت البعد ما كانا
لعلةٍ بنتُ عن أهلي وعن وطني
                         أما تراني أذيل الدمع عقيانا
كم فيك يا وطني المحبوب من رشأ
                         يحكي بطيب شذاه الرند والبانا
كم فيك يا وطني المحبوب من رشأ
                         إمارنا أستعبد الإنسان إنسانا
استاف منك نسيماً لست أعرفه
                         كأن ظمياء جرت فيك أردانا
أني لأغبط قوماً فيك قد نشطوا
                         للعلم والفضل أشياخاً وشبانا
لما رأوا العلم فيه الفخر منحصر
                        خفوا اليه زرافات ووحدانا
*   *   *
وفي أول هجرته إلى بلدة مجدل سلم حيث كان يشعر بالوحدة وألم الفراق لأنه لم يكن قد تعرف على أهلها بعد؛ لذلك نراه يخاطب أحبابه من الأهل والأعمام في بلدة عيناثا بقوله:
أحبابي إني مذ نأيت عن الحمى
                          بقيت كئيباً دائم الحسرات
فلا القلب يسلو عنكم اليوم ساعة
                          ولا جف ما بالعين من عبرات
ترى ترجع الأيام عهدا قد انقضى
                          ليصفو عيشي أو تطيب حياتي
وكان السيد علي فضل الله قد أرسل بيتين من الشعر لعمه الأديب الفاضل السيد عبد الحسن ضمن رسالة أرسلها له من النجف الأشرف في العراق حوالي سنة 1954- ميلادية يشكو له ما يلاقيه من الشوق والحنين للأهل- للأحباب للوطن.
أحباي لو يسلوكم القلب ساعة
                       سلوت ولكني عدمت اصطباريا
احن اليكم من فؤاد متيم
                       وأشكو إليكم لوعتي واشتياقيا
وقد أجابه عمه المذكور- السيد عبد الحسن فضل الله- بقصيدة طويلة تفيض العاطفه من كلماتها، ويزخر الحنين في أبياتها، وقد ضمنها البيتين السابقين:
سل الليل عني والنجوم الجواريا
                          إذا كان طرفي بعد بعدك غافيا
خبيران في وجدي إذا الليل جنني
                           وقد أمنت نفسي رقيباً وراشيا
وأن وجد قيسٍ قبس وهو أخو الهوى
                           ببعض الذي ألقاه كان ورائيا
وسل عن فؤادي يوم معترك النوى
                           فؤادك أدرى بالذي كان لاقيا
إذا ذكرته النفس كادت من الأسى
                        تفيض وزند الشوق أصبح واريا
واغر من الوجد المبرح والجوى
                         أدافع دمع العين والهان حانيا
أعالج باليمنى فؤاد وأنثني
                       أكفكف باليسرى الدموع الجواريا
هو البعد من عهد الشبيبة لم يزل
                        نصيبي حتى قد سأمت حياتيا
وقد كنت في عهد الشباب على النوى
                      صبوراً وصبري قد غدا اليوم فانيا
أحباي هل من زورة بعد جفوة
                       على غفوة لو كان طرفي غافيا
أداوي بها جسماً من البعد قد غدا
سقيماً وقد أعيا سقامي المداريا
(أحباي لو يسلوكم القلب ساعة)
                         لعلي أراكم إن غفوت حياليا
ولو كان لي صبراً على البعد والجفا
                       صبرت ولكني عدمتُ إصطباريا
(أحن اليكم من فؤاد متيّم )
                        حنيني مشوق يذرف الدمع داميا
فؤادي اليكم بالبريد بعثته
                         (ليشكو اليكم لوعتي واشتياقيا)
أحباي ما أحلى العتاب على النوى
                        إذا كان من تهواه بالعتب راضيا
لعل شفيعاً قد دعاك إلى الرضى
                        جزاه الهي خير ما كان جازيا
من العدل أن تبقى مقيماً على الجفى
                        زماناً وأبقى للعناء معانيا
بلا سبب لم ادر ذنباً جنيته
                      بعيشك خبرني ذنوبي ما هي؟!
سوى أني أفرغت قلبي لحبكم
                       وجانبت محبي فيكم والغوانيا
وقد كنت في هذا وذياك مغرماً
                     فأصبحت عن هذا وذياك لاهيا
هو المجد لا لغير الحساني تشوقني
                     وإن خطرت غضاً ولاحت دراريا
وإن سخرت بالريم جيداً ولفتة
                      وبالبدر إشراقاً و بالسيف ماضيا
وان عذبت ثغراً و فاقت محاسناً
                     واصبح من أنفاسها المسك زاكيا
سواه أبت نفسي انيساً وصاحبا
                     كذلك نفس الحر تأبى الملاهيا
ولسنا سوى العلياء تهوى نفوسنا
                     ونفس كريم الأصل تهوى المعاليا
إذا الدهر يوماً رام خسفي رأيتني
                    أصافح أطراف القنا والمواضيا
صبور على حر القواضب والقنا
                     إذا بلغت نفس الجبان الترقيا
وليس الذي يعزى لحيدر أصله
                      يكون عن المجد المؤثل لاهيا
وليس الذي فيه إباء وغيرة
                      يكون بأدنى العيش والذل راضيا
يخوض غمار الموت إن حل جانباً
                به الضيم لا يرضى سوى السيف شافيا
فيقضي حميداً أو يكون على المدى
                    عزيزاً.. وهل تلقى سوى الحمد باقيا
ومن خاض أمواج المنايا حفيظة
                    عليه رداء العز لا زال ضافيا
حنانيك إن الذل مر مذاقه
                    وطعم العلى والعز لا زال زاكيا
*   *   *
بذكر الألى نعم الفخار وذكرهم
                    عبير مدى الأيام لا زال زاكيا
هم الآل من أنسى بهم متأسياً
                     يكون على نهج الأكارم ماشيا
سبيل الهدى والرشد أضحى سبيلهم
                    ومن أمهم نال المنى والأمانيا
ومن يتأسى بالكرام طماعة
                 على هامة الجوزاء أصبح ساميا
أولئك آبائي سلالة هاشم
                 أباة الورى عنهم ورثت أبانيا
إذا ما سنيّ المحل عمت جدوبها
                 أقاموا إلى نادي الضيافة داعيا
ترى الكوم تغلي في رحاب قدورهم
                جواري في رحب القدور جواريا
يقلبها فوارها ويسوقها
                 إلى ساحها تيارها متواليا
فتحسبها طوراً سفيناً و تارة
                    مواشي اضحت في القدور مواشيا
أو إزدحموا يوم الهياج تخالهم
                   على صهوات الخيل أسداً ضواريا
ومن عجب للخيل تحمل للوغى
                   بحوراً وأجيالاً رواسي عواليا
هم القوم من عليا لؤي أنوفهم
                    أبت شمساً أن تنشق الضيم عاديا
لعاب الأفاعي لم يزل من رماحهم
                    يسيل كما تنساب حمراً أفاعيا
كرام أبت منهم نفوس أبية
                    بأن ترتضي إلاَّ المواضي جواريا
إلى السلم يمشون الهوينا وللوغى
                   عواصف من بأس تزيل الرواسيا
إذا ما دعاهم مستغيث تصارخوا
                    سراعاً ولو للموت لبيك داعيا
إذا افتخر الأقوام بالبأس والندى
                     وبالحلم والأخلاق ما كان غانيا
عن الفخر فيمن كان ذلك كله
                      تفرع عنهم حسبك الاصل كافيا
بهم جمع الله الفضائل كلها
                    وفخري بهم أمسى على النجم عاليا
وما زال قلبي وهو يألف ذكرهم
                   فيضحي و يمسي في عروقي جاريا
*   *   *
إلى الآية الكبرى وغوث بني الورى(1)
                   إلى علة الإيجاد أهدي سلاميا
أُناديك مضطراً أغثني تحننا
                    فعطفاً ولطفاً منك سمعاً ندائيا
مبيد العدى حامي الحمى معدن الندى
                   حليف التقى والزهد لم أك راجيا
سواك شفيعاً يوم حشري وموقفي
بحقك يا مولاي حقق رجائيا
لئن جسدي أضحى بعيداً فقد غدا
  فؤادي على اعتاب ربعك جاثيا
يقبلها شوقاً ويعلم أنه
   بتقبيلها نال المنى والأمانيا

(1) يقصد بالآية الكبرى الإمام علي بن أبي طالب (ع).
وأنت غياثي في الخطوب ومفزعي
                       بربعك يا غوثي أنخت ركابيا
وأنت رجائي يوم لا مال نافع
                       ولا ولد كلا والولد جازيا
ومن يرتجي غير الوصي لحاجة
                      يكن قصده عنه ولا شك نائيا
إليك يا أبا عبد الأمير(1)فقد غدت
                    بذكر أبي السبطين تعلو الدراريا

يقول السيد علي فضل الله: في حوالي سنة 1940ميلادية ذهبت إلى عيناثا بلد الأهل والأحباب... وكنت كل ما جئت اليها سارع لزيارتي الاقارب والأرحام، علاوة على الأصدقاء والأجلاء من أهل البلد.
وأتفق أنه في بعض الأيام التي كنا نقضيها مجتمعين يلفنا الأنس والسرور، نترع كؤوس الشاي، نتداول الشعر و النكات الطريفة التي تجلو عن القلب كل هم و غم، لم يحضرنا العم الاديب السيد عبد الحسين فضل الله صاحب الشاعرية المرحةوالظل الخفيف، ليتحفنا بما عنده من نوادر... وعندما إفتقدناه أرسلت له الأبيات التالية على سبيل العتاب:
ليس يحلو عيشي لبعدك عني
                 وفؤادي من الجفاء تصدع
إن عهداً مضى وانت انيسي
              خير عهد فليته اليوم يرجع
يا عزيزاً على الفؤاد رويداً
               ما لجفى ما لصدود للمرء مفزع

(1) المقصود من قوله: (اليك أبا عبد الأمير) هو السيد علي فضل الله الحسني لأن ولده البكر أسمه عبد الأمير و به يكنى.
هل تغيرت كالزمان أجبني
               إن قلبي يقول لن تتصدع
ما عهدت الجفاء فيك مراداً
                 والمحب الوفي لن يتضعضع
أم سلوت الذي يحبك دوماً
              مغرماً هائماً بحبك مولع
وجاء جواب العم السيد عبد الحسين في ابيات شعرية رقيقة حنونة تفيض طلاوة وعذوبة، يقول:
أنا ما عشت يا ربيب المعالي
                         ثابت للزمان لا أتضعضع
انا طود الوفاء مهما علا الطـ
ـودتمر الرياح لا يتزعزع
إن تلمني عللى إعتزالي قومي
                         هذه خطة الكمي المودع
لا أرى ماجداً يروح على النا
   س إلاَّ وبالخزاية يرجع
أنا إن غاب عن أحباي شخصي
                         فلهم في قرارة النفس موضع
همتي في الحياة أن لا يراني
                       كاشح بالإباء إلا ملفع
ومن ذكريات السيد علي فضل الله قوله:في أيام شبابي حيث لم أكن قد تجاوزت الثالثة و العشرين من عمري كنت مغرماً بنظم الشعر و على الأخص ما كان موافقاً لروعة الشباب. وقد رأيت ثلة من الأصدقاء تتبارى بنظم قصائد تضاهي القصيدة المشهورة التي مطلعها- يا ليل الصب متى غده-.

راق لي الموضوع و اعجبني، فنظمت قصيدة على نفس الوزن والقافية:
الحب تزايد مورده
                والجفن تنافر مرقده
يا رب علمت بما في حشـ
ـاي وما لي غيرك أعبده
هذا قلبي أضناه الحـ
ـب غداً والبعد يهدده
ما الحيلة في ظبي مطل
                    صعب بالحلم تصيده
إن دب ظلام اليل فما
                    يعطف في نوم أسوده
فأبيت الليل أراعي النجـ
ـم ومن سهد أترصده
ما زال العاذل ينصحني
                   وأنا في حبي أكمده
لا يسلو قلبي من أهوى
                    فلذاك أزداد توقده
فظباء الوادي مهوى القلـ
ـب وموحي الشعر وموجده
فإذا ما جئت إليه لأن
                   أشكوه رماني أصيده
كي أبدي له ما في قلبي
                 من فرط جوى أتكبده
قد صوب أسهم مقلته
                    وأراق دمي يتعمده
أوليس شهودي غير دم
                   في وجنته متورده
هذا ما أذكره من هذه القصيدة التي مرّ عليها عدة عقود من الزمن بعد أن تجاوزت السبعين من العمر نسأل الله حسن الخاتمة.
ومن ذكريات السيد علي فضل الله في أيام شبابه، إنه كان دائماً يجتمع مع ثلّة من أهل الأدب والظرافة من الأصدقاء، في بلدة – مجدل سلم- وفي إحدى هذه الإجتماعات إقترح أحد الحاضرين.. مباراة شعرية.. وهو تضمين اسم غادة حسناء فصاح أحدهم(هيام). فإبتدأ السيد علي وقال:
هلمّي بنا للقفر والبر نلتقي
                     هنالك لا واشٍ نرى يتكلم
يميناً برب البيت إني على النوى
                     محب وإني في هواك متيم
أروح وأغدو والهوى يستفزني
                    وفرط الأسى يقضي علي ويحكم
معذبتي بالصد والهجر والجفا
                    فرحماك مثلي لا يصد ويظلم

فصفق الحاضرون طرباً وإعجاباً بسرعة البديهة.
وفي غضون الحرب اللبنانية الأهلية التي اندلعت سنة 1975، ودخلت سنتها الحادية عشرة ولا تزال رحى هذه الحرب دائرة مخلفة ورائها الحرب والدمار. في تلك الآونة كان لفيف من العلماء الأفاضل،أصحاب الضمائر الطيبة و القلوب النيرة، ينظرون إلى بلادهم وشعبهم وقد مزقتهم أيدي الطامعين، نظرة حسرة ممزوجة بالألم.. وكيف لا وقد حل التدجيل والنفاق.. مقام المحبة والوفاق.. وأشتريت الضمائر. بينما كان هذا اللفيف من العلماء و الطيبين الأحرار الذين لم يزالوا يعيشون الواقع بشتى مراحله، وتضفي على مسلكيتهم شعائر الدين الإسلامي الحنيف؛هؤلاء الثلة ليسوا كغيرهم ممن باع آخرته بدنياه و إتخذ من سذاجة البسطاء من أفراد الشعب سلماً يرتقيه إلى سدة الزعامة غير مبال بعاقبة الأمور.
كانت هذه الثلة كلما إجتمعت تدور أحاديثها حول قضايا الساعة وما يدور على الساحة اللبنانية من ويلات وأحداث.. تتألم لما أصاب البلاد والعباد ولا يستطيع أحد منهم إصلاحاً، ولا يسمع لأحدهم قولاً، وما ذاك إلاَّ لأنهم لا يبيعون الشعب.. ولا يشترون الضمائر.
وفي إحدى الجلسات، والحديث شجون بما آلت إليه حالة الأهل والأوطان إلتفت السيد علي إلى أحد أصدقائه الموجودين وقال له ما بالك تتحسر؟! اياك أن تصبح من المغرورين الضالين فتبيع ضميرك.
ثم قال له:
إن رمت في هذي الحياة زعامة
                            فعليك بالإغراء والتدجيل
إكذب ونافق ما إستطعت فعندها
                           تحظى لدى الأقوام بالتبجيل
ومن ذكريات السيد علي فضل الله قوله: لا أنسى ما حييت الفترة التي قضيتها حوالي سنة 1392هـجرية- 1972ميلادية –ما بين اشهر حزيران - تموز-آب- على سريري، من السنة المذكورة، وفي مستشفى دار الصحة- البربير- وقد آيس منّي الأهل والأحباب، ولم يبقى لهم ملجأ يلجؤون إليه إلاَّ الله، حيث ألمّ بي مرض أفقدني الوعي طيلة 15 يوماً أو أكثر. و عندما انتبهت من نومي وفتحت عيناي على الحياة وأهلي وأصدقائي من حولي يقولون لي-  الحمد لله على السلامة- عدت علينا بعد يأس- ووجههم يتألق فرحاً وسروراً، خصوصاً زوجتي وأولادي لا سيما ولدي عبد الأمير الذي ما إن علم بمرضي حتى أسرع بالحضور من فرنسا حيث كان يدرس الطب، وكذلك ولداي السيد عبد الكريم والسيد عبد الله وهما الذان منّ الله عليّ بهما وأصبحا من العلماء الأفاضل. وكان مرضي في ذلك الوقت ذبحة صدرية شديدة، وجلطة على الدماغ، و نُدر أن يُسجل لمرضي شفاء. حتى انه كان الخروج منه إلى ممارسة أعمالي الحياتية وإلى الصحة والعافية أعجوبة نشرتها الصحف. والله هو المعافي و الشافي بعد أن ظن الناس أنه انتهى العمر.
وبعد الخروج من المستشفى ذهبت إلى بيتي في برج البراجنة ومنها إلى بيتي في بلدة كيفون الاصطيافية، ذلك لإتمام العلاج والراحة. و من شدة المرض بقي منه أثر يعاودني من حين إلى آخر، ولكن لا على النحو الأول من الشدة، إلاَّ انه ألم مزعج جعلني قلقاً أتطلع إلى غد أفضل لا أرى نفسي فيه غارقة في الهموم،وجسمي خالياً من العلل، وما ذلك على الله بعزيز. وقد نظمت قصيدة أصف بها حالي و ما أرام من الحياة:
مللت حياتي والزمان وأهله
                 وصرت أذم العيش في السر والجهر
ولاقيت من دهري صنوفاً من الأذى
                وجرعني كأساً أمرّ من الصبر
فأصبحت و الآلام تنخر مهجتي
                 فتنتابني من حيث أدري ولا أدري
أقضي نهاري بالتأوه والأسى
                   وليلي بأوجاع تحطم لي صدري
وأني إذا ما الليل أرخى سدوله
                  رأيت المنايا مسرعات إلى نحري(1)
أبيت أسيل الدمع من ألم الحشى
                  وأرعى نجوم الليل حيران في أمري
وقد صرت أحياناً كسكران بادياً
                  لشدّة آلامي وما بي من سكر
أقضي طوال الليل أندب ما مضى
                  من العمر مهموماً إلى مطلع الفجر
إلى الله أشكو مالقيت من الأذى
                ومن ما اعتراني اليوم من صولة الدهر
وأرجو إلهي بإسم طه وحيدر
                  يبدد آلامي وما بي من ضرّ

1. حينما كنت في المستشفى قد فتحت كوة في نحري لإدخال الأدوية وألآت العلاج.
وقد نظمت هذه الأبيات في أواخر شهر رمضان المبارك سنة1395 هجرية الموافق أيلول سنة 1975 ميلادية .
وكنت مقيماً في الغري(1)مجاوراً
                  لحيدرة الكرّار أيام من عمري(2)
أروح إليه كل يوم وليلة
                  وأشكو له ما في حشاي وما يجري
ولكنني والآن قد صرت نائياً
                 عن النجف الميمون والحرم والطهر
لئن كان جسمي عنهما اليوم قد نأى
                          فعندهم قلبي وعندهم فكري
أبا حسن إما نأت بيَ الدار واغتدت
                         موانع وطل من سقام ومن قفر
فأنت لنا غوث اللهيف و إنني
                   بعلياك أرجو الفوز في موقف الحشر
أبا حسن أوزاري اليوم جمَّت
                  وقد انحلت جسمي وقد قصمت ظهري
فكن لي شفيعاً في المعاد مبشراً
                  بأن حُطَّ عني ما تكاثر من وزري
أبنائه:
خلَّف ثلاثة ذكور و خمس إناث:
* الدكتور عبد الأمير: وهو ولده الأكبر، طبيب في الجراحة الترميمية وهو طبيب ناجح له نشاطات عديدة منها: رئاسة إتحاد الأطباء المسلمين.

1. الغري: يطلق على النجف الأشرف.
2. حيدرة الكرّار لقب مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .
* السيد عبد الكريم: من علماء الدين خريج النجف الأشرف ومن فضلاء علماء لبنان. يُدرِّس البحث الخارج في الفقه والأصول وله مؤلمات عديدة منها:
- وسيلة المتفقهين: دورة فقهية كاملة من ثلاثة أجزاء تحتوي الإستدلال على الأحكام مع بيان المصطلحات والقواعد العامة.
- لو بايع الحسين: في بيان الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الحركة الحسينية من وجهة نظر المؤلف. ترجم إلى الفرنسية والألبانية.
- منهجية الإستنباط.
- الزواج والطلاق المدنيان.
- الفن في الفقه الإسلامي.
- تهمة التحريف بين المسلمين الشيعة والسنّة.

وغيرها من مقالات ومشاركات في مؤتمرات محلية و دولية.
أسس مع أخيه العلامة السيد عبد الله حوزة الثقلين العلمية وجمعية الإمام الحسين بن علي (ع) الخيرية ذات النشاطات الصحية و الثقافية و الإجتماعية.
* السيد عبد الله: من فضلاء علماء لبنان يُدرِّس السطوح العليا، وله كتب في شرح المنطق في مجلدين وله المنطق التربوي.

وختاماً لهذه الجولة السريعة في رحاب ترجمة العلامة المقدس السيد علي فضل الله رمز الطهارة والنزاهة والوفاء والإمان الذي عشت معه ما يزيد عن خمسة عقود من الزمان أترك القلم جانباً بعد أن سطرت هذه الكلمات وفاءً لعهد مضى وأيام خلت.
السيدة مريم نور الدين فضل الله


عودة الى القائمة